الحق مع علي و علي مع الحق

على أبواب السلطة القضائية

 على أبواب السلطة القضائية

 

عندما تشتبك المعارضة والموالاة على أبواب السلطة القضائية

هل يستعيد القضاء المبادرة أم يستسلم لـ«القدر السياسي»؟

 

عندما جرى اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري شنت القوى السياسية التي تحولت لاحقا الى قوى 14 آذار هجوما عنيفا على «القضاء العضومي»، نسبة الى وزير العدل انذاك ومدعي عام التمييز السابق عدنان عضوم، الذي غاب عن السمع ثلاث سنوات وثمانية اشهر قبل ان يخلي سبيل صوته مع اخلاء سبيل الضباط الاربعة.
يومها كان القضاء متهماً بالخضوع لرغبات واملاءات النظام الامني اللبناني ـ السوري المشترك، بل قيل انه جزء من هذا النظام وأحد ابرز تجلياته، الامر الذي دفع «ثوار الارز» الى المطالبة بلجنة تحقيق دولية ومحكمة دولية بغية كشف الحقيقة، لانعدام الثقة في خيارات القضاء اللبناني وقدراته.
حينها، تولت الاطراف التي انتقلت لاحقا الى المعارضة او 8 آذار مهمة الدفاع عن السلطة القضائية في مواجهة المنقلبين عليها. ولكن عصف اغتيال الرئيس الحريري جعل المواجهة غير متكافئة، فتشكلت لجنة التحقيق الدولية على انقاض معنويات القضاء ومصداقيته، ثم وُلدت المحكمة الدولية بعد مخاض عسير كلف اعتكافا واستقالة لوزراء حركة امل وحزب الله.
.. ودارت الايام، وتغيرت الاحوال، فخرج الضباط المعتقلون من السجن على يد القضاء الدولي بعدما امتنع القاضيان سعيد ميرزا وصقر صقر عن اتخاذ قرار اطلاق سراحهم لعدم اقتناعهما بتوافر الشروط التي تبرر الافراج عنهم.
هنا، انقلبت الادوار راساً على عقب، فاتهمت المعارضة ميرزا وصقر بالاستجابة لطلبات سعد الحريري وبالخضوع للترهيب والترغيب، داعية الى محاسبتهما ومعاقبتهما حفاظاً على سمعة القضاء ونزاهته، وهو ما لم يرق بطبيعة الحال لفريق 14 آذار الذي سارع الى تبرير سلوك القاضيين ومنحه الاسباب التخفيفية، معتبراً ان المعارضة تريد من خلال التصويب عليهما النيل من المؤسسة القضائية في اطار مسعاها الى تفريغ الدولة من محتواها.
وهكذا، يبدو واضحاً ان الاطراف الداخلية تتناوب على ممارسة الحضانة او الوصاية على القضاء، تبعا لمدى ما تتمتع به من نفوذ وقوة في السلطة، وما يسهل من مهمتها ان القضاء الذي يعاني من نقص في الاستقلالية الحقيقية يبدي في معظم الاحيان قدراً كبيراً من «الطواعية» حيال الضغوط او التدخلات التي يتعرض لها، لشعور القضاة بأنهم يحتاجون الى مظلة سياسية ـ طائفية، اما لحماية انفسهم ومواقعهم واما لتحقيق طموحاتهم وتطلعاتهم، بالنظر الى افتقار القضاء الى صمامات الامان الداخلية وعناصر المناعة الذاتية، وهذا ما تجلى بوضوح من خلال اضطرار القاضي صقر صقر لطلب «الحماية» من مرجعيته الدينية المتمثلة في البطريرك الماروني، بينما كان المجلس الشرعي الأعلى يتبرع بحماية مماثلة، وان تكن غير مباشرة، للقاضي سعيد ميرزا.
تحت وطأة هذا الواقع، وازاء الفرز السياسي الحاد الذي ترتب على قرار المحكمة الدولية الإفراج عن الضباط الاربعة، يبدو مجلس القضاء الاعلى في موقع لا يحسد عليه، فهو اذا قرر خلال اجتماعه اليوم اتخاذ «الإجراءات المناسبة» بحق القاضيين ميرزا وصقر قد يخرج من يقول انه خضع الى حملة المعارضة وشروطها، واذا قرر الدفاع عنهما وتغطيتهما قد يخرج من يقول إنه تخلى عن مصداقيته ونزاهته خشية من غضب رموز 14 آذار. ولكن كل ذلك لا يعفيه بطبيعة الحال من ان يتخذ الموقف المناسب الذي يتلاءم مع قناعته، بمعزل عن هزاته الارتدادية المحتملة، علما ان المعلومات تفيد بان بعض اعضائه اتصل باللواء حميل السيد وهنأه بإخلاء سبيله.
وفي حين، تؤكد اوساط مقربة من حزب الله ان الحزب ليس بصدد تنظيم تحرك شعبي في الشارع اليوم بالتزامن مع اجتماع مجلس القضاء، تشير مصادر قيادية في المعارضة إلى انه من الخطأ تصوير المطالبة بمحاسبة هذا القاضي او ذاك على اساس انها حملة منظمة ضد القضاء، كما تروج قوى الموالاة، منبهة الى ان ظاهر ما يطرحه فريق الموالاة يوحي بالحرص على القضاء بينما الباطن يختزن النية في توريطه من خلال إغراقه في بحر من العواطف السياسية المسمومة التي توحي بانه محسوب على فريق دون الآخر.
وتلفت المصادر الانتباه الى ان المعارضة تدرك ان القضاء هو مؤسسة كبيرة، لا يمكن ان تكون كلها متورطة في المسار المتعرج الذي سلكه عدد من القضاة خلال السنوات الاربع الماضية، مشيرة الى ان قوى الموالاة التي تحاول الإيحاء بانها تحتضن القضاء اليوم انما كانت هي اول من انتهك هيبته عندما عملت على توظيف بعض مواقعه في معاركها السياسية ضد خصومها، وكفت يده عن التحقيق في جريمة اغتيال الرئيس الحريري وألزمته بالانصياع للجنة التحقيق والمحكمة الدولية، وصولاً الى انتاج تشكيلات قضائية مسيسة مؤخراً.
وتعتبر المصادر ان فريق الموالاة يتعمد تكبير الحجر لإحراج المعارضة، في حين أن المطلوب هو محاسبة المخطئ حصراً، لأن ذلك كفيل بتحصين القضاء وإثبات مصداقيته، داعية مجلس القضاء الاعلى الى التحرر من «فوبيا» 14آذار وانتزاع المبادرة من السياسيين، عبر خطوات جريئة تقود الى المحاسبة القانونية لمن أخلّ بالأصول في تعاطيه مع قضية توقيف الضباط.
في المقابل، ترى اوساط بارزة في فريق 14 آذار ان هناك قواعد لمناقشة القضاء والاعتراض عليه، لا تلتزم بها المعارضة في هجومها على القضاء، مستغربة ان تبادر بعض قيادات المعارضة الى استباق اجتماع مجلس القضاء الأعلى بإصدار أحكام مبرمة بحق القاضيين ميرزا وصقر وصلت الى حد توصيف سلوكهما في قضية الضباط بانه «جرم».
وتشدّد الاوساط على ان قوى الاكثرية تدافع عن مبدأ احترام القضاء بحد ذاته وليس عن شخص ميرزا وصقر، متوقعة الا يأخذ مجلس القضاء اي قرارات تأديبية تحت الضغط، لتخلص الى الاستنتاج بان المعارضة وبعدما استنزفت السلطة التشريعية من خلال إقفال مجلس النواب طويلاً، وشلت السلطة التنفيذية مرة عبر الاستقالة وعدم الاعتراف بالحكومة ومرة اخرى عبر انتزاع الثلث الضامن وتجويف الحكومة من الداخل، تريد الآن ضرب السلطة القضائية، ما يعني ان هناك خطين في البلد لا يلتقيان

 

عماد مرمر

ارسل تعليق

No comments found.

Search site

جميع الحفوف محفوظةali1.webnode.com